الغيرة
فى حياة المؤمن
يتحدث
الكتاب المقدس عن الغيرة ويصفها بانها مرة
وسم قاتل لكل نمو روحى ولكل فضيلة مقدسة , بل
انها الجذر السام لكل نبتة روحية , اذا ضربت
بجذورها فى حياة الانسان الروحية أضاعته
وأنهكته , واذا دخلت فى الجسد الواحد مزقته
وكذلك فى الاسرة الواحدة فرقتها وحطمتها . كل
من أصيب بها حرم من ملكوت الله
"وأعمال الجسد ظاهرة التى هى خصام غيرة
سخط .. ان الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت
الله" ( غلاطية 5 :19) والقلب الذى يضرب بها
ويشرب من سمومها يصبح قلبا غيورا, ويقول
الكتاب المقدس في رسالة يعقوب 16:3 " وحيث
الغيرة والتحزب هناك التشويش وكل أمر ردىء
".
الانسان
الغيور أنانى لا يحب الا نفسه ولا يريد الخير
الا لنفسه , يتسمم بدنه اذا رأى انسانا افضل
منه يمتدح أو يكرم , ويطير النوم من عينيه
والهدوء من حياته حينما يسمع مديحا" أو
ازدهارا لآخر , ويكتئب ويتملك قلبه الفزع اذا
حصل أخر على شىء لم يحصل هو عليه .اذا تسربت
الغيرة الى قلب الأم فلا تستطيع ان ترى ابنا
متفوقا عن ابنها , او ابنة اكثر جمالا من
ابنتها رغم ان هذه
الامور لا دخل فيها لانسان .. او تسمع عن زوجة
اكثر منها امنا وفرحا مع زوجها فيسيل سم الآفة
من قلبها ولسانها ونظراتها وتجد الشك يتسرب
الى قلبها متهمة زوجها باتهامات باطلة, بل
تتملكها الظنون فى الآخرين فلا تصدق زوجها
ولا تطيق ان تراه يتعامل مع الاخرين مدعية
خوفها عليه ويطير النوم من عينيها قلقة عليه
كلما تأخر فتجلس تراقب تحركاته وتتنصت الى
مكالماته وتفتش فى خطاباته وجيوبه بل تشم
ملابسه باحثة عن اية آثار لاخرى فى حياته . اما
اذا ضرب قلب الزوج بالغيرة من نحو زوجته انتهى
به الى حبسها وغلق الابواب والنوافذ امامها
فيمنع تعاملها او مقابلتها أعز الاصدقاء حتى
اخوته واذا مدحت ألهبت الغيرة قلبه فيظن سوءا"
واذا اعجبت بتصرف نبيل لشخص أماتت الغيرة
قلبه وتملك الشك فى عقله ! والادهى من ذلك أن
الغيور لا يغير من اقربائه أو العاملين معه بل
ايضا" ممن لا يعرفهم أو يتعامل معهم بل من
كل من يسمع عنه تفوقا ونموا , والغيور يقتل
نفسه بنفسه اذ ان الغيرة تميت الحمقى - " لان
الغيظ يقتل الغبى والغيرة
تميت الاحمق "
( ايوب 5 : 2 ) والغيور دائما يتقسى قلبه ويموت
ضميره بغيرته اذ فى قسوته لا ينظر الى عطايا
الاخرين او حصولهم على هذه المواهب كثمرة
لتعبهم واستحقاقهم بل فى قسوة يحسد ويغير لأن
" الغيرة قاسية كالهاوية "(نشيد الانشاد 8
: 6 ). وفى غيرته وقساوة قلبه ينفعل ويغتاظ وفى
ذلك قتلا لنفسه. لذا كثيرا بل غالبا ما تجد
الغيور غضوبا- هائجا فى غضبه- نظراته دائما"
صفراء وضحكته صفراء .
ماذا
فعلت الغيرة ؟
1-
قتل الاخ اخاه : ل
ابد ان ننتبه انه فى كل آية فى الكتاب المقدس
فيها الغيرة يأتى بعدها جريمة القتل . قتل
قايين هابيل وظل تائها" فى الآرض - لقد قدم
كل منهما قربانه الى الله ونظر الرب الى هابيل
وقربانه ولكن الى قايين وقربانه لم ينظر ,
فاغتاظ قايين جدا" وسقط وجهه ( تكوين 4 : 4-6 )
لقد ملكت الغيرة على قلبه تجاه اخيه لم يفكر
ما ذنب هابيل وماذا كان قايين يريد , هل كان
يريد رفض ذبيحة أخيه ؟ أهذا يفرح قلبه القاسى
الحاقد ؟ ثم ما دخل هابيل فى ذلك أليس هذا من
عطاء الله ؟ أجل ملكت الغيرة على قلب قايين
الشرير وبثت سمومها وتكاثرت وارتوى من مياهها
الى ان أهلكته غيرته فقام على هابيل أخيه
وقتله.. وخرج قايين من لدن الرب ( تكوين 4 : 8 - 16 ) !!!!!
2-
زرعت العداوة فى قلب الأختين : فلما رأت راحيل
أنها لم تلد ليعقوب غارت راحيل من أختها وقالت
ليعقوب : هب لىّ بنين والا فانا أموت.... فحمي
غضب يعقوب على راحيل وقال:
ألعلي مكان الله الذى منع عنك ثمرة البطن (
تكوين 30 : 1-2 )
3-
باع الاخوة اخاهم يعقوب عبدا"
بعشرين من الفضة - بل ارادو قتله ؟ !!!
.." فقال له اخوته ألعلك تملك علينا ملكا ام
تتسلط علينا تسلطا , وازدادو أيضا بغضا له من
أجل أحلامه ومن أجل كلامه ... فلما أبصروه من
بعيد قبلما اقترب اليهم احتالوا له ليميتوه .
فقال بعضهم لبعض هوذا هذا صاحب الأحلام قادم ,
فالآن هلم نقتله ونطرح فى احدى الآبار ونقول
وحش ردىء اكله فنرى ماذا تكون احلامه .واجتاز
رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف واصعدوه من
البئر وباعوا يوسف للاسمعيليين بعشرين من
الفضة "( تكوين 37 : 28,19,18,8)
4-اقتحم
الروح الردىء شاول وحينما
رجع داود من قتل جليات الجبار ان النساء خرجت
من جميع مدن اسرئيل بالغناء والرقص للقاء
شاول الملك بدفوف
وبفرح وبمثلثات فأجابت النساء اللاعبات وقلن
: ضرب شاول ألوفه وداود ربواته .... فاحتمى شاول
جدا" وساء هذا الكلام فى عينيه وقال : أعطين
داود ربوات وأما أنا فأعطيننى الالوف , وبعد
فقط تبقى له المملكة ... فكان شاول يعاين داود
من ذلك اليوم فصاعدا" وكان
فى الغد ان الروح الردىء من قبل الله اقتحم
شاول وجن فى وسط البيت ...وكان شاول يخاف داود
لأن الرب كان معه وقد فارق شاول ..وكان داود
مفلحا في جميع طرقه فلما رأى شاول أنه مفلح جدا" فزع
منه ( صموئيل الاول 18 : 6-16).
5-
الكلاب دمه لحست : لقد كلم آخاب الملك نابوت
قائلا :" اعطني كرمك فيكون لي بستان بقول.."
لكن قال نابوت لآخلب :"حاشا لي من قبل الرب
ان اعطيك ميراث آبائي". فدخل آخاب بيته
مكتئبا" مغموما" .. بل اضطجع وحول وجهه
ولم يأكل خبزا ...فأخرجوا نابوت خارج المدينة
ورجموه بحجارة ... فكان كلام الرب فى المكان
الذى لحست فيه الكلاب دم نابوت تلحس الكلاب
دمك انت ايضا" ... من مات لاخاب فى المدينة
تأكله الكلاب ومن مات فى الحقل تأكله طيور
السماء "( الملوك الاول 21 ) ... انها الغيرة
المرة .
6-قتل
الاطفال الابرياء :فلما
سمع هيرودس الملك
اضطرب وجميع أورشليم معه, فجمع كل رؤساء
الكهنة وكتبة الشعب وسألهم أين يولد المسيح فقالوا له : فى بيت لحم
اليهودية ... فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين
فى بيت لحم وفى كل تخومها من ابن سنتين فما دون
... حينئذ ثم ما قيل بارميا النبى القائل : صوت
سمع فى الرامة نوح وبكاء وعويل كثير , راحيل
تبكى على اولادها ولا تريد ان تتعزى لأنهم
ليسوا بموجودين ( انجيل متى 2 )
7-صلب
الرب يسوع : فيما هم مجتمعون قال لهم بيلاطس من
تريدون أن أطلق لكم باراباس أم يسوع الذى يدعى
المسيح , لأنه علم أنهم أسلموه حسدا" ( متى 27
: 17- 18 ) .
8-
ضربت مريم بالبرص :
لقد دخلت الغيرة
والحسد قلب مريم وهارون ونفثت سمومها فقالا :
هل كلم الرب موسى وحده ؟ ألم يكلمنا نحن أيضا ,
فسمع الرب وقال لماذا لا تخشيان أن تتكلما على
عبدى موسى فحمي غضب الرب عليهما ومضى, فلما
ارتفعت السحابة عن الخيمة اذا مريم برصاء
كاثلج ( سفر العدد 12 : 1- 12 ) .
8-غضب
الأبن المدلل :... فغضب ولم يرد أن يدخل , فخرج
أبوه يطلب اليه فأجاب وقال لأبيه: ها أنا
اخدمك سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك
وجديا لم تعطني قط لأفرح مع أصدقائى .... فقال
له يا بنى: انت معى فى كل حين وكل ما لى فهو لك
ولكن كان ينبغى ان نفرح ونسر لأن أخاك هذا كان
ميتا فعاش وكان ضالا فوجد ( لوقا 15 : 28 - 32 )
اسباب
الغيرة :
1-
الأنا وحب
المديح والكبرياء :
الأنانى يزكي نفسه باستمرار بل دائما يريد أن
يأخذ دون أن يعطي وفى أنانيته واعجابه بنفسه
تنشط ذاته بحب المديح ..... بل تنشط خطواته
للسعى وراء الكرامة فيرتفع أنفه فى غطرسة
وكبرياء وفى كبريائه وأنانيته لا يتحمل مديح
الغير أو تقدم الغير فيملأ
الحسد قلبه ويلتهب بنار الغيرة المرة
فالكبرياء هو أم الحسد .
2-ضعف
المحبة : حينما تنطفىء المحبة من القلب -
المحبة فى معناها الحقيقى - يتمنى الانسان
الشر للآخرين , بل يفرح ويسر بسماع أخبار
الفشل والاهانة التى تلحق بالآخرين فيشمت
بقلبه وبفكره من الآخرين ..... بل فى ضعف حبه
يتمنى الضرر حتى لأقرب المقربين وتتملك
الغيرة على القلب ويصير حسودا" ....لكن
المحبة لا تحسد أبدا" .
3-
تزكية الذات : فى تزكية الانسان لنفسه أحساس
بالغبطة والعظمة ونظرة احتقار الى الأخرين
فيرى أنه المستحق فقط بل أنه الفهيم فقط وكل
من يزكى بعيدا" عنه مكروه ، فيتضخم القلب
بالغيرة والحسد .
4-
انطفاء الروح القدس فى قلب الانسان : حينما
يعمل الروح القدس فى داخل الانسان يلهبه
بالحب والبذل ولا يمكن أن يغار من الآخرين بل
يتمنى النمو والفرح للكل ويأخذ هو مكانه في
آخر الصف .... وأما اذا انطفأ روح الحب فماذا
يتبقى فى القلب ؟ " ليس لى فرح أعظم من هذا
أن أسمع عن أولادى سالكون فى الحق "( رسالة
يوحنا الثالثة 4 )
5-
الفهم الضيق : حينما يغشى العقل غشاوة ويظن
الانسان أن فى تكريم الآخرين ونموهم نقصا له
وهدما له يمتلىء القلب بالغيرة ويفيض منه سم
الحسد القاتل لذا ما اجمل القديس اغريغوريوس
الذى يعي ما هو سبب هذا المرض الذي يظهر حين
ترى أن أخا أو صديقا أو جارا يعيش فى سعادة -
"
ما الذى أصابك أيها المخلوق الشقى - هكذا أحب
أن أقول لك - لماذا انت فى نوبة
تحملق بعين شريرة فى الخير الذى صادفه
جارك ؟ "
6-
الرغبة فى التملك - الطمع : فى حبه للتملك
يمتلأ القلب بالطمع فلا يشبع ولا يقنع بل يرى
فى الاخرين منافسين له ... فينفث القلب كرها
وحسدا وغيرة متمنيا أن يزيحهم من طريقه
فيتمنى بل يطلب لهم الردىء .
7-
السعي الى المناصب والتسلط : فالذى يهتم بخلاص
نفسه يرى الكمال فى الآخرين ويرى عيوبه
وينشغل بها لاصلاحها , أما الذى يسعى الى
المراكز والكراسى يريد أن يرتفع على جماجم
الآخرين ، وفى ارتفاعه يحب سقوط الأخرين ,
يريد أن يرتفع نجمه ليمتلك ويتسلط ، فيرى فى
الآخرين منافسين له فيتضخم قلبه بالحسد
والغيرة المرة ....
ثمار
الغيرة المرة
1-عين
الحسود عمياء : ...فلا ترى الا الذى فى أيدى
الغير . تتعامى عما معها ، بل ترى فى القليل
الذى فى أيدى الآخرين انقاصا لها!!!
فتفتش
عن نقائص الآخرين وعيوب الآخرين لاظهارها
والتقاطها الأمر الذى يقود الى الادانة .
2-
الادانة والتشهير والتجريح بالآخرين : اذا
سمعت عن أحد كرم أو نال مركزا ..نالت من سمعته ،
وجردته من فضائله .. بل ألصقت به التهم والقصص
الوهمية محاولة أن تنزل من مستواه وأن تبعده
عن دائرة الأضواء .
3-الكراهية
: فالغيرة تولد الكراهية فى القلب ، فلا تعد
الاذان قادرة على سماع كلمات طيبة ولا العين
قادرة على رؤية عطايا جيدة ...بل تملأ القلب
كراهية وحقدا" .
4-
الكآبة والتنهد : ما أقساها من ثمار .... كلما
رأى انسانا كرم ، ينام نكدا وحزينا ومتنهدا
وكلما سمع أن آخرا أخذ مركزا ازداد غما وحزنا
... لأن غيظه ينسكب كالنار .
5-
الاعتداء على الآخرين : تحت ستار الاصلاح
والمحبة وما الى ذلك ينتهز الفرصة ليتعدى على
الاخرين سواء فى العمل او فى محيط الخدمة
مظهرا رائحة الغيرة من داخل قلبه ، وفى
اعتدائه يبرر تصرفاته الصارخة بالمحبة
والتضحية .
6-
الخيانة بل القتل : اذ
نجد فى كل جرائد العالم صفحات تتحدث عن حوادث
اليوم من جرائم القتل التى فى الحقيقة تسبقها
الغيرة .
كيف
نتخلص من هذه الآفة ؟
1-
تأمل فى عطايا الله لك : الله عادل فى عطائه ..غني
فى هباته , يعطيك ما هو لازم لخلاصك وما هو
مناسب لحياتك . اذا أدركت هذا حقيقة فانك تحيا
فى شكر وحمد وتسبيح وبالتالي لا تحسد غيرك على
عطية الله له . لانه كما أعطاك أعطى غيرك واعلم
ان عطية الغير لا تصلح لك أنت .
2-
تأكد أن الذى تشتهي ان تأخذه ليس لصالحك , فلكل
عطية ثمارها لذا لا تنظر من الخارج,
وأعلم انك اذا أخذت ما هو لك يكون لاسعادك
. ربما المركز الذى بسببه تحسد الآخرين وتغار
منهم لو أعطى لك لهلكت على كرسيه , فكثيرون
اسقطتهم الكراسى التى سعوا اليها ؟... الجمال
الذى انت تشتهيه بل ربما تغير بسببه , لو أعطى
لك لكان سبب مشاكل كثيرة حياتك.
ليت
الرب يقبل صلاتنا وان يحرر الذين تمتلك على
قلوبهم شهوة الغيرة والحسد ويعطى روح المحبة .
3-
تأمل فى حياة الآباء القديسين والرسل كيف
فرحوا بالاخرين وتمنوا لهم نموا وازدهارا
واعلم انه فى نمو الاخرين نموا"
لك وفى تكريمهم اكراما" لك .
4-
لقد خرج موسى وكلم الشعب
بكلام الرب وجمع سبعين رجلا" من شيوخ
الشعب وأوقفهم حول الخيمة فنزل الرب فى سحابة
وتكلم معه وأخذ من الروح الذى عليه وجعل على
السبعين رجلا" الشيوخ فلما حلت الروح
تنبأوا ولكنهم لم يزيدوا
( سفر العدد 11 : 24 - 26). لقد اخذوا من الروح الذى
على موسى ولم ينقص موسى بل حينما غار تلميذه
يشوع بسبب الداد
وميداد اذ حل عليهما الروح وقال يا سيدى موسى
أردعهما فقال له موسى :" هل تغارانت لى؟ يا
ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء"(سفر العدد 11 :
27 - 29 ). حقا" ان الأبرار ينظرون ويفرحون (ايوب
22 : 19) بل يسمع
الودعاء ويفرحون (مزمور34: 2)
5-
تأكد أن الغيرة تقتل صاحبها فقط أما الأخر
فيزيد الرب بره بل يشرق نوره كشمس الظهيرة لذا
ينبغى ان تفرح وتسر
بنجاح الاخرين ونموهم .
6-
أخرج من عزلتك واندمج فى وسط الكنيسة خادما
الكل فى اتضاع , مصليا من اجل الكل منتهزا كل
الفرص لتقديم عمل المحبة للآخرين فيتسع قلبك
وتهرب الغيرة منه .
7-
لا تطفىء ولاتحزن الروح فى داخل قلبك بل ليكن
لك روح الطاعة لأناته وتوجيهاته والتى غالبا
ما تكون ضد ارادتك انت وكلما كان الروح فيك
حارا كلما التهم الغيرة من داخلك متذكرا أن من
ثمر الروح محبة فرح
سلام لطف ...
8-
ليكن لك روح القناعة والاكتفاء وكما يقول
الرسول بولس: "فان كان لنا قوت وكسوة فلنكتف
بهما"(1 تيموثاوس 6 : 8 )