الروح القدس 2

ان خطة الله لنا ليس ناقصة ولا يتخللها أي مجال للزيادة او للنقصان . فالرب كلي القدرة وكلي المعرفة وكلي الوجود قد وضع خطة خلاصه الابدي لجنسنا البشري منذ الازل ولذلك فإن الخلاص المجاني يتم بالتوبة والايمان بفداء المسيح على الصليب ويقول الكتاب المقدس في الرسالة الى اهل افسس 2 : 8-9 " لأنكم بالنعمة مخلّصون بالايمان وذلك ليس منكم , هو عطية الله ليس من اعمال كيلا يفتخر احد ." ان الخلاص ليس اصلاح الطبيعة القديمة او تقويمها بل هو خلق كائن جديد مولود من الله بالبر والقداسة. التجديد ليس فقط تغير الطبيعة او اصلاح القلب وانما هو ولادة جديدة ولادة مرة ثانية :" ينبغي ان تولدوا ثانية ."ان الحياة الناجمة عن الولادة الجديدة ليست نتيجة الجهود الذاتية لأن الانسان لا يمتلك تلك القداسة التي يقتضيها الله للدخول الى السماء , فلكي تحيا حياة الله ينبغي ان تمتلك طبيعة الله . ان الولادة الجديدة بكليتها هي عمل الروح القدس . لقد قال السيد المسيح في انجيل يوحنا 14 : 16-17 " وانا اطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم الى الابد , روح الحق الذي لا يستطيع العالم ان يقبله لأنه لا يراه واما انتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم, لا اترككم يتامى ." اذا ان الروح القدس لا يتوقف عمله على الولادة الجديدة فقط بل اننا في حاجة اليه على الدوام والرب يسوع ادرك ذلك تماما  لذا فإنه جعل روحه يسكن فينا واصبحنا " هيكل الروح القدس.“

اذًا ما هو دور الروح القدس في حياة المؤمن على الصعيد الفردي ؟ هل يمكن ان نحيا حياة القداسة دون ان نسمح للروح القدس ان يعمل فينا ومن خلالنا ؟

ان المركز الرئيسي الذي يدور حوله عمل الروح القدس في الانسان هو تطبيق ما عمله السيد المسيح من اجل الفرد في حياة المؤمن أي تحقيق حضور ملكوت الله في حياتنا. ان لعمل الروح في حياتنا عدة جوانب لكن لا يمكننا ان نفصلها عن بعضها او نكتفي بأحدها وننفي اهمية الآخر . انه عمل حي ينمو من درجة الى درجة يعبر عنها الرسول بولس بقوله :" ونحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير الى تلك الصورة عينها من مجد الى مجد كما من الرب الروح ," ( 2 كورنثوس 3 : 18 ) فهو ليس عملاً متعددًا ولكنه عمل نامٍ يبدأ فينا حتى قبل ان نقبل المسيح اذ يبدأ يفتح اعيننا على حالتنا الساقطة ويرشدنا الى الطريق الى الحياة التي في المسيح , ثم يستمر معنا في حيباتنا لينير اذهاننا وقلوبنا بالتدريج حتى نصبح يومًا ما كاملين وذلك عند مجيء سيدنا المسيح ثانية . ان عمل الروح القدس هو عمل واحد لكنه عمل تام تتضح جوانبه واعماقه طالما المؤمن في هذا العالم , ومن اجل ان نأخذ صورة واضحة لعمله سوف نقسم هذا العمل الى جوانب خمسة كالتالي.

اولاً - الروح يجدد المؤمن : 

ان كلمة تجديد في العهد الجديد من الكطتاب المقدس تأتي بمعنيين : معنى يحدث مرة واحدة ولا يتكرر كما نقرأ في تيطس 3 : 4-5 "ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله واحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس ." والمعنى الثاني لكلمة تجديد تأتي في عمل متكرر يحدث باستمرار كما نقرأ في رومية 12 : 5 مثلا " ولا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد اذهانكم .." انه التجديد المستمر في الافكار والارادة الذي يحتاج اليه المؤمن على الدوام وهذا ما يعمله الروح القدس في حياته .

ان المعنى الاول للتجديد , الذي يحدث مرة واحدة , يمنح امؤمن التبرير الذي قام به الله في المسيح يسوع فمثلا نقرأ في رومية 3 : 24 " متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح". التبرير يعني ان نصبح مقبولين امام الله وتغفر ذنوبنا وآثامنا وكأن لا خطية لنا وذلك من خلال الايمان بيسوع المسيح   ثم نقرأ ان هذا التبرير هو ثمرة قيامة السيد المسيح " الذي اسلم من اجل خطايانا واقيم لأجل تبريرنا " ( رومية 4 : 25 ) ويعلمنا الكتاب المقدس ايضا ان كل من يؤمن بيسوع المسيح يتبرر :" ويبرر مَن هو من الايمان بيسوع " ( رومية 3 : 26 ) وايضا :" فإذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ." ( رومية 5 : 1 ) هكذا يرتبط التبرير بعمل يسوع المسيح وبالايمان به , ومع ذلك هناك صلة كبيرة بين التبرير والروح القدسويعلن الرسول بولس ذلك بوضوح في 1 كورنثوس 6 :11 “ هكذا كان اناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع المسيح وبروح الهنا ."والشيء العجيب هنا ان الرسول بولس يذكر التبرير بعد الاغتسال والتقديس رغم ان التبرير يأتي اولا ونتيجة اولى للايمان . السبب في ذلك هو ان التبرير عندما يرتبط بالروح القدس لا يقتصر فقط على الحسبان , أي ان المؤمن قد حسب بارًا على اساس الايمان بالمسيح ولكنه يتضمن ايضا تأكيدًا لذلك التبرير للمؤمن , أي ان الروح القدس يعلن ذلك للمؤمن ويضع السلام في قلبه وحياته ويجعله موقنا ان الله قد برره ويعطيه اليقين بالسلام والمصالحة مع الله . فالتبرير اذًا ليس فقط عملية الهية سماوية نعرفها بالايمان بل هو حقيقة يقينية يقنعنا بها الروح القدس .

لكن هذا التجديد الذي يحدث مرة واحدة لا يعني انه عملية منقطعة ولكنه الخطوة الاولى في عملية مستمرة ديناميكية في حياة المؤمن كما ذكرنا سابقا ونقرأ ايضا في كولوسي 3 : 9-10 " ...اذ خلعتم الانسان العتيق مع اعماله ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه ." وللروح القدس اليد الطولى في هذه العملية المستمرة ولولاه لما استمرت لكن في نفس الوقت ينبغي ان يكون هناك تعاون اساسي وحقيقي من الفرد المؤمن إذ ليس من المعقول ان يقف متفرجًا او محايدًا لا يفعل سيئًا , فلا بد من التعاون بين الروح وبين الانسان المؤمن ...بين الروح القدس روح الله...والروح البشري روح الانسان...وهذا التعاون يؤكد لنا اكتاب المقدس ضروته اذ نقرأ التالي : " تمموا خلاصكم بخوف ورعدة " ( فيليبي 2 : 12 ) " انموا في النعمة وفي معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح" ( 2 بطرس 3 : 18 ) ان معنى هذه الاقوال وغيرها ان الروح القدس هو والمؤمن يكملان التجديد في عملية مستمرة كخبرة مسيحية متكاملة قد نسميها التقديس . هذا التقديس لا يعني فقط تخصيص او فصل امؤمن عن العالم وتكريسه للمسيح ولكنه يعني ايضا حركة ونموا روحيا واخلاقيا في حياة المؤمن . هذه العملية عملية لتقديس او تطهير الذات تتم بعمل روح الله بالتعاون مع المؤمن ذاته لأنه أي المؤمن يستطيع ان يميت بالروح اعمال الجسد : "لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون ولكن ان كنتم بالروح تميتون اعمال الجسد فستحيون " وبذلك يستطيع ان يحيا المؤمن في ملكوت الله الذي هو بر وسلام وفرح في الروح القدس . هذا التجديد المستمر او التقديس له عدة اوجه يذكرها العهد الجديد منها :

1- التحرير من الخطية والموت : كما يقول الرسول بولس :" لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد اعتقني من ناموس الخطية والموت " ( رومية 8 : 2 ) لكنه يذكر ايضا ان هناك ناموسا واحدا يريده ولكنه لا يستطيع ان يفعله مع انه مقدس وصالح وعادل " فإني اسر بناموس الله بحسب الانسان الباطن " ( رومية 7 : 22 ) والسبب في ذلك هو وجود ناموس آخر في جسده واعضائه يسبيه الى ناموس الخطية...ناموس الموت .أي ان ناموس الخطية والموت يتملك على ارادته فيضعفها ويجعله لا يستطيع ان يفعل ناموس اله ولكنه عندما يقبل السيد المسيح يحلّ فيه ناموس آخر يسمّيه " ناموس روح الحياة في المسيح يسوع " ( رومية 8 : 2 ) فروح الحياة هنا هو الذي يعتقه من ناموس الخطية والموت فبالتالي يستطيع ان يتمم مشيئة الله المقدسة التي كان عاجزا عن اتمامها من قبل. إن روح الحياة هو نفسه الروح القدس الذي يعطي الحياة وبذلك يحرر النسان من الخطية ومن الموت. 

2- الروح هو الذي يقوي المؤمن في الانسان الباطن : " بسبب هذا احني ركبتي لدى ابي ربنا يسوع المسيح ....لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الانسان الباطن " ( افسس 3 : 14-16 ) هذه هي الوجهة الايجابية , فهو لا يحرر الانسان الباطن للمؤمن فقط بل ايضا يعطيه القوة ويؤيده بها . هذه القوة تستطيع ان تعمل الكثير وتجعل من الانسان اناء صالحا لسكنى المسيح . وهذا ما يؤكده الرسول بولس مواصلا في الرسالة الى اهل افسس 3 : 17-19 " ليحلّ المسيح بالايمان في قلوبكم وانتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا ان تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا اى كل ملء الله ."

3- الروح يشهد اننا اولاد الله : " الروح نفسه ايضا يشهد لأرواحنا اننا اولاد الله " ( رومية 8 : 16 ) ونقرأ ايضا: "وبما انكم ابناء له , ارسل الله الى قلوبنا روح ابنه مناديًا : ابا يا ابانا ." أي ان الروح القدس يشترك مع ارواحنا في الشهادة اننا اولاد الله , أي ان الاثنين معا يشهدان لبنويتنا لله ولا ينفرد احدهما بذلك . ان التأكد من بنوية المؤمن هي عملية اختبارية يختبرها في حياته ولكنها لا تكون قوية ولا واضحة ولا اصيلة الا اذا اشترك الروح القدس في هذه الشهادة . هذا ما يظهر في الآية التالية :" لأن كل الذين ينقادون بروح الله هم ابناء الله ." ( رومية 8 : 14 )

4- الروح يمنح الاثمار : " واما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول اناة لطف صلاح ايمان وداعة تعفف . ضد امثال هذه ليس ناموس ." ( غلاطية 5 : 22-23 ) ويؤكد اكتاب المقدس ان ثمر الروح في الحياة المسيحية يختلف عن كل ما نراه في العالم فيقول في رومية 14 : 17 " لأن ليس ملكوت الله اكلا وشربا بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس ." ونقرأ في رومية 15 : 13 " وليملأكم اله الرجاء كل سرور وسلام في الايمان لتزدادوا في الرجاء بقوة الروح القدس ." ويقول في رومية 5 : 5 " والرجاء لا يخزى لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ." هذه هي الحياة الحقيقية التي يمنحها الروح القدس وثمره فيها مجيد . ولنلاحظ ان الكتاب المقدس لا يذكر " ثمر الروح " بالجمع بل بصيغة المفرد مما يدل على ان الاصل واحد والثمر واحد وهو روح الحياة التي تظهر كل هذه الفضائل المجيدة . 

ثانيا : الفهم الروحي

الفهم الروحي وفتح العينين او الذهن للاستنارة من اهم الامور التي يفعلها روح الرب في الانسان المؤمن اذ يقول الكتاب المقدس في افسس2: 18 و3: 19 " مستنيرة عيون اذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه في القديسين ...وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة ". ان هذا الانفتاح والاستنارة الروحية يفعلها الروح القدس ونجدها في عدة مواضع من العهد الجديد . نقرأ في انجيل يوحنا 16: 12-14 ما يقوله السيد المسيح لتلاميذه " ان لي امورا كثيرة ايضا لأقول لكم ولكنكم لا تستطيعون ان تحتملوا الآن . واما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية . ذلك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم ." ولقد قال قبل ذلك :" بهذا كلمتكم وانا عندكم واما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ." (يوحنا14: 25-26) وها نحن الآن نعيش في عهد النعمة اذ اننا نتمتع بشركة الروح القدس منذ ان آمنا بالمسيح وقبلناه ربا ومخلصا . في حين نجد ان التلاميذ نفسهم لم يكونوا يفهمون ما يقوله لهم يسوع اذ كانت اعلانات سماوية مثل القيامة من الاموات او اقامة جسده او حتى انهم احيانا لم يفهموا معنى معجزات السيد ولا الى أي شيء كانت تشير وذلك لسبب ثقل في الفهم والتمييز عندهم . فنجد السيد المسيح في انجيل مرقس 8 مثلا موبخا اياهم قائلا :" ألا تشعرون بعد ولا تفهمون ؟ أحتى الآن قلوبكم غليظة ؟ ألكم أعين ولا تبصرون ولكم آذان ولا تسمعون ولا تذكرون ؟ حين كسرت الارغفة الخمسة للخمسة الآلاف كم قفة مملوءة كسرا رفعتم ؟ قالوا له اثنتي عشرة ...فقال لهم كيف لا تفهمون ؟" وهذا ما يحدث تماما مع البشر هذه الايام فنجدهم يلجأون الى الله في وقت الضيق ويتلامسون مع محبته ورحمته ويصنع المعجزات في حياتهم لكن حالما تتلاشى غيوم الضيقات نجدهم ينسون ما معله الرب معهم . ذلك لأنهم لا يتمتعون بشركة مع الروح القدس واجسادهم ليست فعلا هياكل للروح القدس الذي يعطينا نورا روحيا ويذكرنا دوما بما يقوله الرب لنا وما يفعله من اجلنا . كما نقرأ في انجيل متى 16 حين اعلن السيد المسيح لتلاميذه انه ينبغي ان يتألم كثيرا ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم ولكن بطرس لم يستطع ان يتحمل القول . كيف يموت السيد ؟ كيف ينطق بهذه الاقوال ؟ فما كان من السيد المسيح الا ان وبخه قائلا :" اذهب عني يا شيطان انت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله بل بما للناس ." وهكذا نجد ان التلاميذ لم يستطيعوا ان يفهموا ارسالية المسيح ولا ان يرتفعوا الى مستواها . كانوا كما يقول السيد يحتاجون الى الروح القدس الذي يرشدهم ويذكرهم ويعلمهم بل ويفسر لهم معنى المسيح لهم ولحياتهم . وهذا ما حدث فعلا , وصار الفرق شاسعا بين فهمهم ومعرفتهم الروحية قبل قيامة المسيح ومجيء الروح وبعدهما . وهذا ما يحدث تماما في هذه الايام , فلولا استنارة الروح لا نستطيع ان نفهم امور الله مثل بنوة المسيح والثالوث المقدس والخلاص ....وبالتالي لا يستطيع ان يفهمها من ليس له روح الله .

نقرأ في رسالة كورنثوس الاولى2 و 3 " هكذا امور الله لا يعرفها احد الا روح الله , ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الاشياء الموهوبة لنا من الله , التي نتكلم بها ايضا بأقوال تعلمها حكمة انسانية بل بما يعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات . ولكن الانسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة , ولا يقدر ان يعرفه لأنه انما يحكم فيه روحيا . واما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يحكم فيه من احد, لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه واما نحن فلنا فكر المسيح ...على اني ايها الاخوة لم استطع ان اكلمكم باعتباركم روحيين بل باعتباركم جسديين واطفالا في المسيح ...فإنكم ما زلتم جسديين فما دام بينكم حسد وخصام وانقسام , أفلا تكونون جسديين وتسلكون وفقا للبشر ؟ " ونجد هنا ان هناك ثلاثة انواع من الناس : الانسان الطبيعي وهو الذي لم يقبل المسيح ولا يقبل ما لروح الله ولا يعرفه , والانسان الجسدي او الطفل في المسيح الذي ما زال الجسد مسيطرا على سلوكه رغم انه قبل المسيح ولهذا تظهر اعمال الجسد في حياته لأنه ليس ناجحا , والانسان الروحي وهو المؤمن الذي قبل المسيح وقبل الروح القدس وما يعمله في حياته , وهذا المؤمن يستطيع ان يستمع ويميز صوت الله المعلن له بالروح القدس . اذا يعلن الله لقديسيه بالروح القدس عن كافة الامور والاسرار الروحية كالانجيل والخلاص والحكمة الالهية وتجسد الله , ذلك لأنهم قبلوا المسيح وآمنوا به وفي قبولهم له نموا في النعمة والمعرفة ونضجوا في معرفة حكمة الله التي تظهر كأنها عثرة لأهل العالم . هذه الامور الروحية العميقة يكشفها الروح القدس للمؤمنين لمجدهم فينمون ويستمتعون بها كطعام روحي حتى يصلوا الى ذلك المجد حينما يأتي الرب.

نقرأ في رسالة يوحنا الاولى 2 :" واما انتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء ...واما انتم فالمسحة التي اخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم الى ان يعلمكم احد , بل كما تعلمتم هذه المسحة عينها عن كل شيء وهي حق وليست كذبا . كما علمتكم تثبتون فيه ." ان المسحة هنا تشير الى الروح القدس الذي هو الواسطة الحقيقية والمصدر الاساسي للمعرفة والاعلان والتمييز . فكلمة الله هي المعرفة نفسها وليست واسطتها , اما الروح القدس فهو الواسطة التي تحيي فينا كل كلمة نتعلمها او نأخذها من الرب وتساعدنا على التمييز بين التعاليم الصحيحة والتعاليم الكاذبة . منذ الفي عام الى الآن ما زالت التعاليم الخاطئة تنصبّ على السيد نفسه وعلى مجيئه الى العالم . فنجد من ينكرون ان يسوع هو المسيح او انه قد جاء في الجسد او انه صلب ومات او انه قام من بين الاموات . لعل اخطر ما في هذه التعاليم انها تريد ان تزيل صعوبة او عثرة الصليب وتفسر اعمال الله الفدائية تفسيرا بشريا , أي انها استبدلت حكمة الله بحكمة الناس . مرات كثيرة تكون حكمة الناس جذابة للعقل البشري الذي لم ينره الروح القدس . ولكن شكرا للروح القدس الذي يعطي المؤمنين التمييز , فيستطيعون ان يفرقوا بين الحق والكذب , بين من ينادي بالحق والصدق ومن ينادي بالكذب , بين حكمة الله وحكمة الناس . اذًا وسط الارواح المضللة الكثيرة التي تملأ العالم بتعاليم متناقضة ومتراكبة , لا يمكن ان يميز بينها الا المؤمن لأن فيه روح الله , فهو يعطي قوة التمييز في هذا العالم المملوء بأبواق التعاليم الكاذبة .

اذًا فالروح القدس هو الذي يعطي المؤمن الفهم الروحي لمعنى المسيح له ولحياته ولأمور الله واسراره , وكذلك التمييز بين التعاليم الصحيحة والتعاليم المضللة .

ثالثا : الروح يرشد المؤمن في العبادة

في الحديث الذي يدور بين السيد المسيح والمرأة السامرية يضع السيد المسيح الاساس والمكان الصحيح للعبادة . لقد ربطت المرأة السامرية العبادة بواحد من المكانين : اما اورشليم كما يقول اليهود او جبل جرزيم كما اعتقد السامريون آنذاك ولكن المخلص يبين لها خطأ هذه العبادة اذ يقول لها في انجيل يوحنا 4 :" يا امرأة صدقيني انه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في اورشليم تسجدون للآب ... ولكن تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق , لأن الله طالب مثل هؤلاء الساجدين له . الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي ان يسجدوا ." اذًا اين ينبغي السجود ؟ هل هناك مكان آخر ؟ نعم ولكنه ليس مكانا كأورشليم او جبل جرزيم او غيرها بل انه شخص , انه هو نفسه ...في المسيح نفسه تقوم العبادة الحقيقية بمعناها الصحيح , وهو الاقتراب من الله وتمجيده . ففي مقابل جرزيم واورشليم , لا تقوم القدس او روما او غيرها ولكن يقوم المسيح نفسه الذي يقول عنه الكتاب المقدس في الرسالة الى العبرانيين 10: 19-22 " فلنا الآن ايها الاخوة حق التقدم بثقة الى قدس الاقداس في السماء بدم يسوع , وذلك بسلوك هذا الطريق الحي الجديد الذي شقّه لنا المسيح بتمزيق الحجاب أي جسده . ولنا ايضا كاهن عظيم يمارس سلطته على بيت الله . فلنتقدم الى حضرة الله بقلب صادق وبثقة الايمان الكاملة بعدما طهّر رش الدم قلوبنا من كل شعور بالذنب وغسل الماء النقي اجسادنا ..."فالمكان ليس مكانا طبيعيا ماديا ولكنه مكان روحي في الرب مُقام .