تأملات
في شروق الشمس
كم
جميل ان نتشارك دوماً باختبارات ولمسات
ولحظات لقاء مع مخلصنا الحبيب الذي وعدنا: "ها
انا معكم كل الايام الى انقضاء الدهر ".ان
لمسة صغيرة منه تُغيّر موقفنا من احداث
نهارنا مهما صعُبت وترفعنا فوق المتاعب رغم
استمرارها وتُفيض من اعماقنا ينابيع سلام رغم
عواصف الحياة فتُشعُّ وجوهنا بنور سماوي رغم
الغيوم الداكنة التي قد تلوح في سمائنا .
تعوَّدت
في بلادي ان اراقب شروق الشمس من خلف الجبال
العالية وفي نهاية النهار اراها تغرب في
البحر, فكانت دوماً لمشهد الغروب روعةٌ اكبر
وشاعريةٌ اكثر واثارةٌ مختلفة , لكن في جزيرة
قبرص الامر مختلف فالشروق ايضا هو من خلف
البحر . لذا استيقظت باكرا مع بعض الاصدقاء
لنراقب مشرق الشمس فنسبّح اسم الرب . شكراً
للّه الذي لا ينعس ولا ينام بل يشرق شمسه كل
يوم على الاشرار والصالحين . يا لروعة الشاطىء
ذلك الصباح , حقاً ان " كل ما صنعه حسن جدا
" لكن لا بدّ ان المنظر من فوق من عند عرشه
اكثر فتنة ثم تذكرت وعده قائلا :" ما لم تر
عين ولم تسمع اذن ولم يخطر على بال انسان ما
اعده الله للذين يحبونه "(2 كورنثوس3 : 9). عند
ذلك الفجر راح الروح القدس يذكّرني بمواعيد
الهي الحبيب مستعرضاً امامي صوراً روحية
عديدة من تعاملات الرب معنا , فأكملت نهاري
باحثاً ودارساً في الكتاب المقدس حول كل ما
ورد في بالي ذلك الصباح .
ماذا
يحدث عندما ينبلج الفجر وتشرق الشمس ؟
1-
كل العالم يفقد بريقه : بينما كنت اراقب
بذهول مشهد الشروق , نظرت فجأة من حولي فاذا
النور قد غمر المكان فبهت ضوء القمر وتلاشت
اضواء المدينة والسفن . ان الرب يسوع هو الشمس
التي اذ تشرق على حياتنا تجعل كل الامور
الاخرى تفقد بريقها , وتذكرت كلمات هذا القرار
وهذه الآيات :
حول
عينيك الى يسوع
وتفرس في شخصه
سيفقد
العالم بريقه
في حضرة مجد الاله
"
الظلمة قد مضت والنور الحقيقي الآن يضيء "(1
يوحنا 2 : 8) " كان النور الحقيقي الذي ينير كل
انسان آتيا الى العالم "(يوحنا 1 : 9) " انا
يسوع ارسلت ملاكي.....انا اصل وذرية داود كوكب
الصبح المنير "(رؤيا 22 : 16) " وسيف ماض ذو
حدين يخرج من فمه , ووجهه كالشمس وهي تضيء في
قوتها "(رؤيا 1 : 16)
2-
هناك حياة : تدريجا اخذت الحياة تدب
والحركة تزداد من حولي- الطيور, الامواج,
المارة, السيارات.....هكذا نحن ايضا حين نسمح
للرب ان يشرق بشمسه على حياتنا فانه لا يجددها
بل يمنحنا حياة جديدة , فنحن اموات ان كنا نحيا
بعيدا عن الشمس. ان الله باقانيمه الثلاثة هو
الشمس الباعثة الحياة : "وجبل الرب الاله
آدم ترابا من الارض ونفخ في انفه نسمة حياة
فصار آدم نفسا حية "(تكوين 2 : 7) " انا هو
القيامة والحياة , من آمن بي ولو مات فسيحيا
وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت الى الابد
"(يوحنا 11 : 25, 26) "تحجب وجهك فترتاع , تنزع
ارواحها فتموت والى ترابها تعود , ترسل روحك
فتخلق وتجدد وجه الارض "(مزمور 104 : 29, 30)
3-
هناك دفء : ثم بدأنا نخلع ما لبسنا من
جاكيتات لأن حرارة الشمس بعثت فينا الدفء
والابتسام والشعور بالراحة والاسترخاء......فحين
نشعر بالتعب والبرد بعد عواصف الحياة الشديدة
ليس اروع من ان نتمدد تحت اشعة الشمس ونتركها
تبعث الدفء في عظامنا....وحين نشعر بالوحدة
والحزن نحتاج الى دفء حنانٍ يغمر كياننا.....هكذا
تحت اشعة شمس الاله نتمتع بدفئه الذي يجفف
دموعنا وثيابنا المبللة ويعيد الينا
الابتسام...فلنجلس في حضرة الاله ونتمتع بنوره
ودفئه وملجأه .
4-
رأينا الاشياء على حقيقتها وليس ظلالا :
اجل اصبح بامكاننا ان نرى الطريق بوضوح, نرى
الاوساخ, نرى العثرات.....وتذكرت قصةً سمعتها
قديماً عن سائحٍ كان يجول البلاد في ليلة
دامسة فرأى نوراً من بعيد (ان عود ثقاب ليلا
يعطي نوراً على بعد 3 كيلومتر), ففرح ذلك
السائح وتقدم نحو النور واخذ يرى المعالم
المحيطة به فازداد فرحه...ثم تحت مصباح الشارع
استطاع ان يقرأ في اشعته خارطة الطريق, ثم رأى
بيتاً منيراً فتوجّه اليه وعند نور المدخل
رأى اوساخاً كثيرة لا تزال عالقة على قميصه
الابيض من اوحال الطريق, فخجل من نفسه.....لكن
الله بنوره يكشف خطايانا واوساخنا لا ليخجلنا
بل ليطهّرنا. ويقول الكتاب المقدس في 1 يوحنا 1
: 7-9 " لكن ان سلكنا في النور كما هو في النور
فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه
يطهّرنا من كل خطية . ان قلنا انه ليس لنا خطية
نضلّ انفسنا وليس الحق فينا . ان اعترفنا
بخطايانا فهو امين وعادل حتى يغفر لنا
خطايانا ويطهّرنا من كل اثم ." ويقول في سفر
الامثال 4 : 18, 19 " اما سبيل الصدّيقين فكنور
مشرق يتزايد وينير الى النهار الكامل, اما
طريق الاشرار فكالظلام لا يعلمون ما يعثرون
به." وتقول النبوة في اشعياء 9 : 2 " الشعب
السالك في الظلمة ابصر نوراً عظيماً ,
الجالسون في ارض ظلال الموت أشرق عليهم نور
."
5-
اشعة الشمس تجعل الاعشاب غير المفيدة اكثر
يبوسةً والجيدة اكثر اخضراراً : كذلك فان
حرارة شمس الرب تحرق لدينا الاغصان غير
المثمرة والجافة, اما الاغصان الجيدة فتصبح
اكثر اخضراراً ونضارةً واثماراً.....علّنا
نسمح للرب ان ينقي اغصاننا ويحرق كل نفاية
وجفاف حتى نأتي بثمر وثمرنا يدوم." انا
الكرمة وانتم الاغصان, الذي يثبت فيّ وانا فيه
هذا يأتي بثمر كثير, لأنكم بدوني لا تقدرون ان
تفعلوا شيئاً. ان كان احد لا يثبت فيّ يطرح
خارجاً كالغصن فيجفّ ويجمعونه ويطرحونه في
النار فيحترق ."(يوحنا 15 : 5-6) "لأنكم كنتم
قبلاً ظلمة واما الآن فنور في الرب, اسلكوا
كأولاد النور لأن ثمر الروح هو في كل صلاح وبر
وحق مختبرين ما هو مرضي عند الله. ولا تشتركوا
في اعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحري
وبّخوها....الكل اذا توبخ يظهر بالنور."(افسس
5 : 8-11) " قد تناهى الليل وتقارب النهار
فلنخلع اعمال الظلمة ونلبس اسلحة النور,
لنسلك بلياقة كما في النهار...."(روميه 13 :
12-13)
6-
هناك شفاء : الشمس فيها شفاء للجسد
وللعظام اليابسة من رطوبة الظلمة التي تقبض
النفس وتؤذي الصحة ...... فللاطفال ينصح الاطباء
باخراجهم دوما تحت اشعة الشمس. اما نحن فان
كنا بحاجة الى شفاء من أي داء جسدي, نفسي,
معنوي, عاطفي, روحي...فلنخرج من الظل ونجلس تحت
اشعة الشمس ونقترب من مصدر النور من الرب يسوع
الذي يقول عنه الكتاب المقدس :" ولكم ايها
المتّقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في
اجنحتها."(ملاخي 4 : 2) اجل ان الرب يسوع هو
الاله الشافي المحرر المخلّص :" روح السيد
الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين ,
ارسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين
بالعتق وللمأسورين بالاطلاق" (اشعياء61 : 1-2)
انه لم ولا ولن يتغيّر :" يسوع المسيح هو هو
امساً واليوم والى الابد ."(عبرانيين 13 :8).
7-
هناك انعكاس : ومع انعكاس اشعة الشمس على
صفحة المياه, كلّمني الرب بفكرتين مختلفتين.
اولاً رأيت انعكاس النور وصورة السماء على
سطح الماء فخطر في بالي اننا في هذا العالم
الآن لا نرى الاله تماماً في كامل نوره ومجده
بل كأننا ننظر صورته في مرآة, وهذا ما يذكره
الكتاب المقدس في 2 كورنثوس 13 : 12-13 " فاننا
ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذٍ وجهاً
لوجه, الآن اعرف بعض المعرفة لكن حينئذً سأعرف
كما عُرفت ." يا لروعة اللقاء حين نمثُل
بالتمام في حضرة الاله وهو في كامل مجده
وعظمته. كم ستكون الحياة الابدية رائعة مع
المخلّص لو قورنت بحياتنا واختباراتنا
الحاضرة. ثانياً مثل انعكاس النور على صفحة
المياه هكذا ايضاً يجب ان يضيء نورنا على
الناس :" انتم نور العالم, لا يُمكن ان تُخفى
مدينة موضوعة على جبل ولا يوقدون سراجاً
ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء
لجميع الذين في البيت. فليضىء نوركم هكذا
قدّام الناس لكي يروا اعمالكم الحسنة
ويمجّدوا اباكم الذي في السماوات."(متى 5 :
14-16). اننا مثل صفحة المياه أو المرآة التي
تعكس اشعة الشمس , فهي تعجز عن عكس كل الاشعة
بل فقط بقدر ما تستوعب, لكن كل من ينظر الى هذه
الصفحة اللامعة ينبهر من شدة النور المنعكس
منها رغم انها لا تعطي نوراً من ذاتها بل تعكس
ما يسقط عليها . اذاّ علينا ان نعكس محبة
المسيح ووداعته وصبره وفرحه وسلامه......................
8-
بداية جديدة : ان شروق الشمس يشير الى
بداية يوم جديد .....اصبحتُ احبُّ الشروق اكثر
من الغروب منذ ان سلّمت حياتي للرب يسوع......إن
إلهنا هو إله البدايات الجديدة ...إله كل تجديد....إن
كنت قد سئمت حياتك القديمة بأثقالها وتعبت من
همومها, فإنك بحاجة الى بداية جديدة مع الرب,
ويقول الكتاب المقدس :" اذاً إن كان أحد في
المسيح فهو خليقة جديدة, الاشياء العتيقة قد
مضت هوذا الكل قد صار جديداً ."( 2كورنثوس 5 :
17) طالما سمعنا هذه الآية ولكنها لا تنطبق فقط
يوم نقبل المسيح كمخلّص لحياتنا بل يجب ان
تكون لسان حالنا في كل صباح كما ان مراحمه
جديدة مع كل صباح. إن الرب يريد كل يوم أن يصنع
شيئاً جديداً في حياتنا فهو ضد كل خمول وروتين
:" لا تذكروا الاوليّات والقديمات لا
تتأملوا بها. هأنذا صانع امراً جديداً...الآن
ينبت, ألا تعرفونه؟ أجعل في البرية طريقاً في
القفر انهاراً." اجل غمرني فرح جديد مع
بداية ذلك اليوم ورحت ارنّم :هذا هو اليوم
الذي صنعه الرب, نبتهج ونفرح فيه.....انت ملك
المجد, انت رئيس السلام, انت شمس البر والشفاء
في اجنحتها .
لكن
اين يمكن ان يمكث الناس بالنسبة الى النور ؟
1-
بعضهم مَن يفضّل المكوث في الظلمة فيجعل
حاجزاً بينه وبين النور الحقيقي....وهذا ما
كنّا عليه قبل ان نفبل المسيح في حياتنا وهذا
ما يقوله عنهم الكتاب المقدس في انجيل يوحنا 3
:19 "وهذه هي الدينونة ان النور قد جاء الى
العالم واحب الناس الظلمة اكثر من النور لأن
اعمالهم كانت شريرة ."
2-
بعضهم مَن يلجأ وراء حاجز شبه شفاف فيرون
ظلالاً ويرفضون ان يروا الامور على حقيقتها.
انهم يدّعون انهم في النور ولا يعملون اعمال
النور, ويقول الكتاب المقدس :" إن الله نور
وليس فيه ظلمة البتة, إن قلنا أن لنا شركة معه
وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق ."( 1يوحنا1
:5-6) "لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم
الصحيح بل حسب شهواتهم الخاصة يجمعون لهم
معلّمين مستحكّة مسامعهم, فيصرفون مسامعهم عن
الحق وينحرفون الى الخرافات ."(2تيموثاوس4
:3-4).
3-
بعضهم مَن يحيا في النور كاشفاً كل حياته
وذاته وكيانه له, فذاك يرفعه الرب ويباركه
بغنىً , وعن هذه الفئة يقول الكتاب المقدس :"واما
انتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي امّة مقدسة شعب
اقتناء لكي تُخبروا بفضائل الذي دعاكم من
الظلمة الى نوره العجيب."(1بطرس2 :9) كما يقول
الرب يسوع :" انا هو نور العالم مَن يتبعني
فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة
."(يوحنا 8:12)
اجل
قد نرى انعكاساً للنور في هذا العالم أو قد
نحتاج الى الشمس للحياة لكن رجاءنا ليس في شمس
هذا العالم ونوره بل فيما اعدّه الله لنا , لا
بل صعد الرب يسوع ليعدّه لنا "اورشليم
الجديدة" حيث لن نحتاج الى شمس أو قمر :"
لا تكون لك بعد الشمس نوراً في النهار ولا
القمر ينير لك مضيئاً بل الرب يكون لك نوراً
ابدياً وإلهك زينتك. لا تغيب بعد شمسك وقمرك
لا ينقص لأن الرب يكون لك نوراً ابدياً."(
اشعياء 60 :19 -20) ويصفها الرسول يوحنا في سفر
الرؤيا 22: 5 " لا يكون ليل هناك ولا يحتاجون
الى سراج أو نور شمس لأن الرب الاله ينير
عليهم وهم سيملكون الى ابد الابدين ."
يا
لروعة الاوقات التي نلتقي فيها مع الرب حيث
يجعلنا نتذوق طعم الجنة فيزداد توقنا الى
لقائه. لقد شئت يا عزيزي ان اشاركك بهذه
اللحظات لأمجد اسم الرب واعلّيه ....فلنردد
معاً: " من مشرق الشمس الى مغربها اسم الرب
مسبّحٌ ."